العودة من المنفى

كتبهاروان العامر ، في 15 حزيران 2006 الساعة: 08:04 ص

   في الصباح الباكر وعلى قارعة الطريق تمددت جثتها على الأرض دون حراك ، كانت طفلة صغيرة بعمر الورد عيناها الجميلتان مفتوحتان على زرقة السماء الصافية …وعلى فمها الطاهر ترتسم ابتسامة مضيئة تملأ المكان حولها بالفرحة الحزينة …
   لا … إنها ليست بائعة عود الكبريت ، بل هي من يشعل نار المقاومة من عود كبريت !! وهي لم تمت من شدة البرد، بل مات البرد من شدة الحرارة الملتهبة في صدرها ؟!
   بجانب جثتها وقف احمد يذرف الدموع الحرة لتمتزج مع دموع الأرض المحملة على زهور النرجس ، وعاد بذاكرته إلى بضع أيام مضت .. تذكر أول يوم عانقت عيناها ارض الوطن ، منذ ذلك اليوم تعاهدا ألا يفرقهما أحد أبدا أيا كان.
   أقسمت نورا يومها ألا تفارق تلك الأرض و اقسم التراب الحزين أن تعانق ذراته جسدها الطاهر وتحضنه كما تحضن الأم صغيرها خوفا عليه و رحمة به .
   دخلت نورا أرض بلادها لأول مرة مبهورة بجمالها الهادئ وتراكضت فرحة بين أشجاره … أيام مضت ونورا لم تمل من رؤية وطنها الحبيب بل إن كل يوم كان يمضي كان يزيدها حبا له وتعلقا به وانبهارا بروعته الدفينة .
   في تلك الليلة خرجت نورا تناجي هواء فلسطين ولكنها فوجئتأنها لم تكن وحدها في هدوء الليل و سكونه !! توقفت عندما رأتيهوديا يقف أمامها ويصوب نحوها بندقيته ، لم تكن نورا تملك أي سلاح عندها، سوى عيناها المضيئتان بالأمل وقلبها المليء بالإيمان …
   وقفت نورا أمام الذئب لا تهابه ورفعت عينيها إليه … صوبتهما كسهم أصاب قلبه الجبان ، تراجع بضع خطوات إلى الخلف وقلبه يرجف رعبا فقد كان يعرف أن عيني نورا و قلبها أقوى من أسلحة العالم كله ..
   ابتسمت نورا ومشت .. أكملت طريقها دون أن تعبا به ، ولكنه صوب رشاشه اللعين عليها من الخلف كما يفعل الجبناء عادة, أطلق رصاصته المجنونة لتخترق جسدها البريء ، التفتت نورا نحوه صامدة كصمود أشجار الزيتون واتسعت ابتسامتها وهي تتلقى الرصاصات متتالية على صدرها..
   و أخيرا هوت نورا على الأرض فاحتضنها التراب الطاهر وداعبت وجهها زهرات النرجس وغسلته بقطرات الندى … في أول مرة ترى فيها نورا فلسطين كانت آخر مرة ترى فيها الدنيا .
منذ ذلك اليوم وتراب فلسطين يحتضن بين ذراته جسد نورا الطاهر ، ففي كل يوم عندما يبكي التراب فانه يغسل وجه نورا بدمعه ، وعندما يشعر بالظمأ فإنه يرتوي بدماء نورا …
   منذ ذلك اليوم لم تزل نورا تبكي دما يروي عطش التراب الذي ينزف دمعا في كل يوم
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “العودة من المنفى”

  1. قصة قصيرة معبة. أتمنى لك المزيد من التوفيق.

  2. عفوا معبرة.

  3. حقيقة أهنئك على هذا الخيال الواسع من الفكر

    والرقة وعذوبة التعبير

    والاهم من هذا وذاك

    هو العبر والدرر التي ندركها من خلف تعابيركِ

    تقبلي كل الود والتقدير



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر