سيسبان

كتبهاروان العامر ، في 23 حزيران 2006 الساعة: 20:53 م

في قرية سيسبان العجيبة ترى الجميع يعمل دون كلل أو ملل ، ترى الصغار والكبار ، الرجال والنساء ، يعملون كلهم و يدندنون لحنهم الفرح :
طيري عاليا فوق النجـوم
                          واستمدي الصبر من روح الغيوم
واسترجعي عهد الصداقة
                         يا نفسي التواقـــــــة
قد تسأل من علمهم هذا اللحن ، وقد تسأل أيضا لم سميت قريتهم سيسبان ؟؟
إذا سألت سيجيبك كل من في القرية ، ودون أي عناء ستجد من يروي لك أسطورة سيسبان ….
تقول الأسطورة أن طفلة صغيرة بعمر الورد تدعى سيسبان كانت تعشق شقيقة لها وتحبها حبا جما لم يروى مثله في الحكايات ، ولم يسمع عن صنوه في أي زمان قد فات .
كانت سيسبان تعيش مع أمها وأختها في قرية يعرف كل من فيها قصة حب سيسبان لأختها حتى أصبحت مضرب المثل لكل شقيقتان وكل عاشقان وكل صديقان …
لم تعش سيسبان مع شقيقتها قصة الحب هذه فترة طويلة فقد وافاها الأجل وماتت زهرتها قبل أن تبصر العالم حولها …
ماتت الفتاة ودفنت لكن سيسبان لم تفهم معنى الموت وأخذت تسأل أمها في كل يوم عن شقيقتها فتكتفي الأم بالبكاء وتحتضن طفلتها الصغيرة ثم تنظر إلى السماء بعنان ملؤهما الدمع …
وفي يوم من ذات الأيام ألحت سيسبان بالسؤال فلم تجد الأم بدا من الكذب خوفا على ابنتها الصغيرة وقالت لها بكلمات مرتجفة :
سافرت
وبصوتها البريء سألت سيسبان :
إلى أين ؟
نظرت الأم إلى السماء وقالت بصوت لا يبين :
إلى السماء
ثم أجهشت بالبكاء فشعرت سيسبان بالحزن وسألت بصوت حزين :
-        ولكن… لماذا ؟؟ ألن تعود
-        ربما ، اقصد يوما ما … ستعود يوما ما بالتأكيد
-        إذا سأنتظرها خارجا ، لن تتأخر ، أليس كذلك ؟
أجهشت الأم بالبكاء مجددا وبكلمات تسبقها العبرات أجابت : لا ، لن تتأخر
وطال انتظار سيسبان أياما وشهور ، ولم تستطع سيسبان تحمل الحزن ، والفرقة ، والبعد عن أختها الحبيبة اكثر من ذلك …
قررت سيسبان أن تذهب هي بنفسها للبحث عن أختها الحبيبة ، ولكن ! أين ؟؟
في السماء طبعا …
 وكيف يمكن لسيسبان أن تصل إلى السماء ؟؟
أن حبها الكبير جعل عقلها الصغير يفكر في أي طريقة ممكنة تعيد إليها أختها ، وأخيرا قررت سيسبان أن تطير إلى السماء بجناحين تصنعهما بكفيها الرقيقتين …
بجانب النهر وقفت سيسبان على شجرة عالية وألقت بنفسها من أعلى الشجرة …وبدلا من أن تطير وترتفع هوت نحو الأرض ،نظرت نحو السماء بعينين مثقلتان بالدموع وصرخت : أختاه أين أنت ؟؟
لم تكن سيسبان تدرك أنها تهوي وكانت تدرك فقد أنها تبتعد عن أختها اكثر واكثر و اكثر…لكن النهر الجاري تحتها أدرك تماما على أن الطفلة الصغيرة توشك على الموت فشعر بالخوف ..
أجل خاف ، خاف أن يفنى وجهها الحزين الرائع الجمال عن وجه الأرض فيختفي الحب الأخوي الصادق من بعدها ، وخاف أيضا أن تمتزج دمائها بمياهه العذبة فتلوثها ويمتزج اسمه بلون الدم إلى الأبد … 
احتضن النهر سيسبان وذاب جسدها الطاهر في مياهه العذبة …
في الصباح خرج أهل القرية للبحث عن سيسبان ، وما إن اقتربوا من النهر حتى سمعوا صوتا طفوليا حزين قادم من أعماق النهر يدندن بحرقة :
طيري عاليا نحو النجوم           و استمدي الصبر من روح الغيوم
واسترجعي عهد الصداقة       يا نفسي التواقة … يا نفسي التواقة
أدرك الجميع ما حصل واخذوا يعتنون بالنهر من يومها إكراما لسيسبان وأم سيسبان .
منذ ذلك اليوم يسمع في كل صباح صوتا طفوليا حزينا يكبر مع شروق كل شمس ويزداد جمالا وحزنا ، مع مضي السنين اصبح الصوت شابا وعذبا وحزينا لدرجة تكفي لتبكي الحجر .
وإذا كان هذا الصوت يبكي الحجر فلا عجب أن يبكي كل من يمر على النهر ويسمعه و يسمع قصته الحزينة …
 
ذات يوم دخلت القرية شابة يتيمة من القرية المجاورة تبحث عن عمل ، ومن بعد رحلة شاقة أرهقتها في حر الصيف ، كان أول ما رأته في مطلع القرية النهر الحزين ( نهر سيسبان ) فأسرعت لترتوي منه وتطفئ عطشها بمياهه العذبة ،اقتربت الفتاة وارتشفت رشفة من مياه النهر ، ثم همت بارتشاف أخرى فأوقفها صوت طفولي :
توقفي … توقفي
نظرت إلى الضفة الأخرى للنهر فوجدت طفلا صغيرا ، سألته :
-        ماذا هناك ؟
-        ألا تعرفين قصة هذا النهر؟!
-        قصته ؟؟ كلا لا أعرفها
وأخذ الفتى يسرد قصة سيسبان والنهر على الشابة الطيبة حتى تساقطت دموعها غزيرة و اختلطت بمياه البحر الحزين محاولة تخفيف شيء من حزنه غير مخفقة في محاولاتها …
بعد أن انتهى الفتى من روايته ترك الشابة بجانب النهر غير راغبة بتركه منتظرة صباح جديد لتسمح لحن سيسبان …
أعجبتها ألحان سيسبان أيما إعجاب وأخذت ترددها مع فتاة النهر كل صباح وتذرف دموعها الحارقة لتمتزج بمياه النهر فتزيده حزنا وألما , حتى تعلقت بالنهر واللحن وسيسبان وأصبحت تحبهم حتى لم تستطع مفارقته أبدا…
بقيت على تلك الحال حتى سمعت يوما خبرا هز كيانها ، فقط علمت من أهل القرية أن موجة حر ستهاجم القرية قد تؤدي إلى جفاف النهر كاملا …
عندها هلعت كما هلع أهل القرية جميعا وبعد تفكير عميق قرر الجميع تغطية النهر لحمايته وسيسبان من الفناء …
وبدءوا بجمع كل ما يملكون من أقمشة بالية لاستخدامها في المهمة حتى جمعوا ما يكفي وبدءوا بتسلق الأشجار على جانبي النهر وربط طرفي القماشة بشجرتين متقابلتين حتى كادوا ينتهوا من تغطية النهر بكامله …
وفجأة وبينما الفتاة اليتيمة تقوم بالعمل معهم ، إذ زلق قدمها وهوت نحو النهر نازفة دماء أبت إلا أن تلوث نقاء النهر …
حتى ظن الجميع أن النهر سيبتلعها كما ابتلع سيسبان في القديم ، لكن النهر كان قد تعب من كثرة الآلام التي أغرقته بها سيسبان فقرر أن يفرح فتاتان علمتاه كيف يحب …
كان الناس فاغري أفواههم كاتمي أنفاسهم بانتظار ما سيحصل لليتيمة ، وكم كانت دهشتهم عظيمة عندما بثق النهر إلى جواره فتاتين بمنتهى الجمال …
وقفت اليتيمة إلى جانب الأخرى وهي تسأل بتردد :
-        سيسبان ؟
-        أجل أختاه
-        أنا …أنا لست أختك ، لقد ماتت
-        أعرف ، ولكنك أنت أختي الآن ، أم تشربي من مياه النهر فأصبحت أنا جزء منك .. وبكيت دموعا غالية منحتها لمياه النهر بسخاء فأصبحت أنت جزء مني ، ولا تنسي دمائك التي خالطني لتأكد أخوتنا  وإن كنا من رحمين مختلفين ..
-        إذا أنت عائلتي الآن ، لم أعد يتيمة …
-        حبك الحقيقي ، ودموعك الصادقة وعملك المضني لحمايتي ، كلها جعلت النهر يأبى إلا أن يكرمني برؤياك ، ويكرمك بعائلة حقيقية …
كانتا تتكلمان بينما أهل القرية ينظرون إليهم بشغف ، بعضهم ما زال مصدوما ، وآخرون يبتسمون راضين بينما تهامس الجميع :
إنها هي … إنها هي
في تلك الأوقات كانت الفتاتان تخترقان الحشود مرديتين لحنا فرحا:
طيري عاليا فوق النجـوم
                          واستمدي الصبر من روح الغيوم
واسترجعي عهد الصداقة
                         يا نفسي التواقـــــــة
ذلك اللحن الذي بقي يتردد في أرجاء قرية سيسبان يذكر أهلها بقصة الوفاء والصدق المطلق ويعلمهم كيف تكون الصداقة اخوة صادقة …
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “سيسبان”

  1. قصتك عن سيسبان جميلة أختاه أهنئك على أسلوبك ولكن لو كتبتي الخط بلون أبيض وكان أكبر لتيسر على الجميع متابعة روائعك . تقديري… فسوف أضيفك لمجموعتي لعلني أعود وأستمتع بعبير الحكي منكِ

  2. قصتك عن سيسبان جميلة أختاه أهنئك على أسلوبك ولكن لو كتبتي الخط بلون أبيض وكان أكبر لتيسر على الجميع متابعة روائعك . تقديري… فسوف أضيفك لمجموعتي لعلني أعود وأستمتع بعبير الحكي منكِ

  3. قصتك عن سيسبان جميلة أختاه أهنئك على أسلوبك ولكن لو كتبتي الخط بلون أبيض وكان أكبر لتيسر على الجميع متابعة روائعك . تقديري… فسوف أضيفك لمجموعتي لعلني أعود وأستمتع بعبير الحكي منكِ

  4. قصتك عن سيسبان جميلة أختاه أهنئك على أسلوبك ولكن لو كتبتي الخط بلون أبيض وكان أكبر لتيسر على الجميع متابعة روائعك . تقديري… فسوف أضيفك لمجموعتي لعلني أعود وأستمتع بعبير الحكي منكِ

  5. قصتك عن سيسبان جميلة أختاه أهنئك على أسلوبك ولكن لو كتبتي الخط بلون أبيض وكان أكبر لتيسر على الجميع متابعة روائعك . تقديري… فسوف أضيفك لمجموعتي لعلني أعود وأستمتع بعبير الحكي منكِ

  6. قصتك عن سيسبان جميلة أختاه أهنئك على أسلوبك ولكن لو كتبتي الخط بلون أبيض وكان أكبر لتيسر على الجميع متابعة روائعك . تقديري… فسوف أضيفك لمجموعتي لعلني أعود وأستمتع بعبير الحكي منكِ



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر