عندما تبكي الفضيلة

كتبهاروان العامر ، في 6 أيلول 2006 الساعة: 15:46 م

ألقت بنفسها على كرسيها المهتز وأطلقت آه عبرت فيها عن تعب ليلتها الطويلة ، حاولت مد يدها إلى قدمها لتخلع نعلها ،لكن قواها خانتها فتراخت على المقعد من جديد وأسدلت جفونها ، مطلقة لذاكرتها العنان ….

تذكرت ما حصل هذه الليلة ، عندما التهمها ذلك الوغد بنظراته الخبيثة وهو يتفحص بدقة كل قطعة من جسدها العاري ، كان هذا هو أول يوم تشعر فيه بالإهانة ، وكانت المرة الأولى التي تنهر فيها رجل لنظره إليه ، وليتها لم تفعل …

لقد كانت كلماته سهم أخترق صدرها وأعادها لواقع حاولت ثلاث سنين أن تهرب منه … سمعت كلماته وفي عينها دمعة حبيسة وآه في قلبها تقطعه وتأبى أن تخرج …

فتحت عيناها المتعبتين وقد انطلقت منهما دمعتها الحبيسة ، وأخذت تنظر إلى السقف وكأنها تقرأ عليه الكلمة التي تقرأها على وجه كل رجل تعرفه :

أيتها العاهرة …

حتى أنت أيها السقف؟

حتى أنت تصر على السخرية مني !

وعادت لتغمض عيناها وهي تنتحب ، وترددت صدى كلمات الرجل في أذنها :

لست سوى عاهرة للأجار…

 

وعادت بها الذاكرة إلى عائلتها ، إلى أمها وأبيها اللذان شغلا بالمال والدراسة ونسيا أن يعلماها كيف تعيش بين الذئاب …

كانا يتفاخران بجمالها الفتان حتى قبل بلوغها العاشرة من العمر ، ولم يعرفان أن تلك كانت أعظم مصائبها …

في يوم هو كباقي الأيام وبينما هي ذاهبة إلى المدرسة ، تفاجأت بشاب يسد عليها الطريق ، ولم يرحل قبل أن يسلب منها شرفها … شرفها الذي لا تعرف هي ماذا يعني بأي حال …

ورغم أن الطفلة لم تفهم ما الذي حصل ، إلا أنها أحست برعب شديد ، ولم تخبر أحدا بما حصل معها في ذلك اليوم …

 

بعد ذلك اليوم مضت الأيام سريعة وكبرت ليندمل جرحها مع الزمن ، ولكن جرحا آخر ظهر في قلبها الغض مع موت والدتها ، مما خلق في قلبها فراغ عاطفي كبير لم تعرف أين تفرغه ، وبالتأكيد فإن محاولتها الأولى كانت مع ابن الجيران …

بحثت في الفلل المحيطة بمنزلهم ، ولم تجد أفضل من ( عمر ) ليكون هو حبيب عمرها ، بدأت تراقبه من شرفة غرفتها ، ومع الزمن اكتشفت أنه يدرس الهندسة وأنه من أكثر شباب منطقتهم أدبا ،وأنه يحافظ على صلاته دائما ، وبدأت تحبه بصدق، وصارت متعتها الوحيدة بالدنيا في أن تراقبه وتنظر إليه ، حتى لو من بعيد ….

ومع مرور الوقت أمست لا يطيب لها منام إلا بعد أن تراه ، وأصبحت تحاول مكالمته على الهاتف لتسمع كلمة واحدة منه فقط ، وامتد حبها له سنتان ، وهو خلالهما لا يعيرها أي اهتمام إذا ما رآها .. أو أنها لا يراها حتى …

مع الوقت أصبح حبها لعمر بدلا من أن يكون تسلية ومتعة ، أصبح يألمها ويحزنها ، وحاولت أ ن تنساه ، فصادقت صديق أخوها سامي ، وتطورت علاقتها معه بسرعة رهيبة ، حتى وصلت إلى العلاقة الحميمة بينهما …

سلمت نفسها له دون أي اعتراضات ، فمهما كان ما سيأخذ منها ، فهو لن يأخذ شيء ، بعد أن سلب منها كلا من عذريتها وقلبها … هذا ما كانت تظنه بالبداية …

ومضت أيام كانت خلالها دمية متحركة : جسدها في يد سامي ، وقلبها في يد عمر…إلى أن وصل خبر سامي إلى عائلتها التي ما لبثت سمعته حتى طردتها من منزلها ، ورحلت العائلة إلى مدينة أخرى …

عادت هي إلى سامي وطلبت منه أن يتزوجها ، وبكل وقاحة رد عليها :

وهل تظنين أني يمكن أن أفكر في الزواج بك ، أنت حتى لم تكوني عذراء عندما عرفتك ، أيتها العاهرة …

وكانت تلك أول مرة تسمع فيها تلك الكلمة : أيتها العاهرة …

 

عادت لتفتح عيناها وتنظر إلى السقف من جديد ، وكان لا يزال ينطق بتلك الكلمة بين جنباته ، ما أقساه ، ككل رجال الكون هو ، لا يرحم …

لقد أصبحت من بعد سامي راقصة وبائعة هوى ، وأمضت ما تبقى من حياتها هكذا ، ترى هل يعرف عمر بما حصل معها ، ترى هل يعرفها عمر على الأقل ؟

أم أنه تزوج الآن من غيرها ,احب زوجته ، و…

انتفض جسدها ، وسرت فيه قوة غريبة لمجرد تصورها ذلك ، وقامت كالمجنونة إلى درج قريب منه تنثر ما فيه ، باحثة عن صورته ، التي سرعان ما وجدتها فاحتضنتاه برفق ، وأخذت تتأملها بعناية ، كانت صورته التي التقطتها من شرفتها وهو فيها ساجد لربه …

كم كان رائعا وهو يصلي ، وضعت الصورة على المنضدة ، وأحست بنشوة الحب من جديد وهي تحتل كل خلية من خلايا جسدها ، فتنهدت معلنة استسلامها له ولحبه … ولأول مرة في حياتها ومع نشوة الحب التي اجتاحتها ، وفيض الحزن المصاحب لها ، ودون أن تشعر هوت ساجدة لخالقها …

سجدت لتخضب الأرض بدموعها ، وبكت بجنون حتى انتحبت ، دون أن يسمعها أحد سوى الله ، وبقت ساجدة إلى أن أحست بنشوة وطمأنينة غريبة  فهدأت ثم قامت والدموع تكتسي وجهها وأخذت تجوب بعينيها أرجاء الغرفة وكأنها تراها لأول مرة ، وما لبثت أن وقعت عيناها على صورة عمر فاتجهت نحوها وقلبتها برفق طبعا ، ثم تناولت  قلما من المنضدة وكتبت خلفها :

حبيبي عمر …

أشكرك لأنك الوحيد الذي علمي معنى النشوة ، نشوة الحب والإيمان …

لطالما أردت أن أطلب منك أن تتزوجني ، لكني أعرف أنك سترد :

لن أتزوج عاهرة …

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

8 تعليق على “عندما تبكي الفضيلة”

  1. رائع ما تصنعين

  2. جميلة السرد … رائعة التعبير … تقديري وسوف أقوم بالتعليق علي ما دار منها ولكن بأسلوب آخر خاطرة بعنوان ” علمت أخيرا … ” وذلك بمدونتي تفاعلا مع ما جاء بمدونتكم … اكرر الشكر والتقدير لرائع الحرف والفكر منكم أختاه

  3. لا اعرف كيف اعلق على هذا الموضوع .. تنازعتني هواجس كثيرة .. برغم اني لا احب التعاطف مع تلك الشخصيات لكني اتفهم الاسباب وذلك لا يعفي من الخطيئة … الرائع و الجميل ان الحب هو الذي اعادها الى الله وانتشلها من الخطيئة .. من ناحية اخرى عملك رائع .. وكان سيبدو اكثر روعة لوانك كنت اكثر اختصارا وبتعدت عن محاولة التبرير و التفسير .. ولكن ذلك لم ينتقص من العمل فهو رائع ولكني قلت كان سيبدو اكثر روعة .. وهذا مجرد رأي .. اتوقع لك اعمالا متألقة .. تحيتي

  4. مش عارف شو بدي احكي ما بحكي الا انو رائع …………………………………….
    ممكن ملاحظة احنا الشباب احقر منا الله ما خلق لأنه هاذي المسكينة مين اللي سواها عاهرة مش الشباب ومني ومنها بثأر العمر واحد والرب واحد.

  5. أختي لا تبكي الفضيلة … جور الإنسان وظلمه لن يفسد صفاء الطبيعة وعطر الود .. لامست الجرح لذا فنحن معنيون بالتغيير ومعنيون بالصدح بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر … إن سكوتنا هو الذي فتح باب دخول هاته الآفات الإجتماعية لذا فأنا أدعوكي للإلتفاف معنا حول مبادرة نطرحها في مدونتي ستكون بإذن الله لو تضافرنا معا فتحا جديدا لأمتنا وأملا في بعث مشروعها النهضوي المرتكز على الدين والاخلاق … تحياتي .. أخوك .

  6. موضوع رائع وسرد يشد من يقرأ من أول كلمه للنهايه … كم بك يا دنيا من الآلام والمصائب … لا أبرر لها الإستمرار في الخطيئه ولكن يكفيها رجوعها إلى الله …تحياتي

  7. رسالة قوية و دعوة للتمعن في الطبيعة البشرية الجائرة التي تمتد بسبابتها لتعير الآخرين و تنسى أن توجه إبهامها إلى نفسها…أتمنى من كل الصبايا أن يستفدن من هذه القصة التي صيغت بأسلوب أدبي جميل…و أن يعيد المجتمع نظرته حول معنى الشرف و الرذيلة
    جميل توظيفك الديني لشخصية عمر…شخصية كان حضورها قوي و مفعولها سحري خلق معجزة جميلة و مؤثرة…أي أن الفتاة أحبت في “عمر” رب عمر و رب الناس جميعا و هو الله نفسه الذي أنقذها من نتائج مما أراده لها قبل أن تخلق، فهو يشاء شيئا و لكنه يريد شيئا آخر و مشيئته غير إرادته. تحياتي لك و للأخت عبلة التي قادتني من خلال الرابط المنشور على مدونتها كي أدخل هنا.

  8. ليش غيرتي شكل البلوج يا روان من قبل كان احلى وانا أشكرك على هذه الكلمات الجميلة التي تتحفينا بها وأود أن اقول لك أني أني من المتابعين الجيدين لأعمالك مع اني لا أعلق عليها والسلام



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر