عمر وعندليب
كتبهاروان العامر ، في 9 أيلول 2006 الساعة: 08:32 ص
في مدينة الفردوس الجميلة عاشت عندليب الأميرة مع زوجها الملك الفارس عمر…
كان الزوجان متحابان كأكثر ما يكون العشاق وكانت عندليب تسمع كلامه الجميل فيسحرها صوته العذب وحكمته الفريدة .
وفي يوم من الأيام غزى المدينة جيش الطغاة فما كان من الفارس البطل إلا أن جهز سيفه وجهز نفسه وأعلن الحرب دفاعا عن مدينته وحفاظا على كرامته ، قبل أن ينطلق الملك أحست عندليب بالفزع وأصابها الحزن والجزع ، وليخفف عنها زوجها شيءً من حزنها وعدها بهدية مميزة فور عودته من الحرب المقززة ، هدية لم يسبق لرجل أن أهداها لزوجته ، هدية مميزة إلى أبعد الحدود …
ودعت الأميرة زوجها وأمضت الأيام اللاحقة تنتظره وتدعو له بالنصر ‘ وطال انتظارها ست شهور عاد الجيش بعدها مظفرا بالنصر ، لكن عمر لم يكن معهم …
قالوا لها بأنه قد مات ولم يستطيعوا أن يستعيدوا جثته بسبب هول الحرب وشدتها ، شعرت عندليب لشدة حزنها برغبة في الموت ، ولكنها تذكرت قبل أن يهلكها الحزن والشوق ، تذكرت أمر الهدي فسألت عنها إلا أن أحدا لم يجبها لطلبها وبدلا من الهدية سلموها رسالة من عمر كتب فيها :
عزيزتي عندليب ، ستصلك رسالتي هذه إذا لم أصل أنا ، أعرف أنك تشعرين بحزن شديد وأنت تقرئينها ، ولكن لا بأس عليك ، فأنا ما أزال عند عهدي ، ولن أحرمك من هديتي التي وعدتك بها ، سامحيني إذا تعبت في رحلة البحث عنها ولكنها تستحق ،صدقيني ….
ابحثي عن أكبر قدر من خيوط الشمس ،وإياك أن تخدعي بالجنة التي في الأسفل فهديتي لك لن تجديها إلا في الأعلى بعد مسيرة مدة تساوي مدة الحرب .
ما إن أنهت عندليب قراءة الرسالة حتى بدأت تجهز نفسها لرحلة البحث عن جثة زوجها و هديته الثمينتان ….
مشت شهر كامل أحست بعده بالتعب الشديد وبعد أن عانقت خيوط الشمس الذهبية أسدلت جفونها بإرهاق وأخذت تتذكر عمر وأيامهما الجميلة وما إن فتحت عيناها حتى رأت أرنبا صغيرا ناصع البياض ذكرها بقصة أليس في بلاد العجائب فأسرعت باللحاق به وعندما وصلت إلى جحره الصغير اكتشفت أنها لا تستطيع الدخول إلى جحر بهذا الحجم _ فهي ليست أليس على كل الأحوال _ التفتت لتعود من جديد لكنه تنبهت إلى وجود شيء غريب في هذا الجحر وعليها أن تأخذه …
كان هذا الشيء صابونه ، أليس من الغريب أن تجد صابونه في هذا المكان ؟؟
فكرت في أن عمر هو الذي وضعها وتذكرت تلك الأيام التي كانا يقضيانها معا على البحر ويغسلان يديهما من مياهه مستخدمين الصابون …
كان عليها أن تستحث المسير إلى البحر ، شيء ما دفعها لأن تفعل حتى دون أن تستريح ، لقد كان صوت عمر يناديها من مكان ما ويستحثها للسير…
أمضت شهر آخر من السير حتى وصلت إلى شاطئ البحر فاغتسلت مستخدمة الصابونة التي معها ، ثم جلست أمام اليم الساحر تفكر في هدفها التالي ..
أخرجت الرسالة وقرأتها مرة أخرى وأعادت قراءتها مرات عديدة فلم تحصل على شيء ، لذا أخذت تدعو بقلب حزين وعابد :
يا رب أهدني إلى الطريق يا رب ارحم زوجي ، يا رب ارضى عني وعنه ، رب اجمعنا معا في ظل رحمتك ، إن لم يكن فوق الثرى فبجنتك يا رب يا كريم .
كانت عندليب خلال رحلتها تمضي كل يوم في الدعاء لنفسها ولزوجها الراحل ، لكنها هذه المرة كان تدعو بخشوع أكثر من كل مرة وما إن انتهت من دعائها حتى كان عيناها قد اغرورقتا بالدموع ، وبينما هي تحاول مسحها تنبهت إلى الصابونة بيدها فابتسمت ، أجل لقد عرفت الطريق الآن ، لقد أثبت عمر أنه رجل ذكي حقا ….
تمعنت في المثلث المرسوم على الصابونة وأخذت تبحث عن مثله في كل مكان ،و بعد شهر كامل من البحث وجدت عندليب أخيرا النصف الآخر للغز ، وعرفت أن النصف الآخر هو طريقها إلى المحطة التالية ، لقد كان مرسوم بوضوح تام ، لقد كان يشير إلى الاتجاه الصحيح ، وكأنه رأس سهم ، عرفت في قرارة نفسها أن لا وقت للراحة فانطلقت لتكمل طريقها .
هذه المرة استمرت عندليب بالسير شهرين كاملين حتى وصلت إلى أرض مقفرة ،أشجارها مدمرة ، فجلست تتأمل هذا الخراب وأحست في قرارة نفسها أنها قد اقتربت كثيرا من مبتغاها ، وتذكرت كلمات زوجها ورسالته (( ستجدين هديتي بعد مسيرة مدة تساوي مدة الحرب ))
ها قد مضى على مسيرها خمس أشهر لم يبقى إلا شهر واحد إذن .
وقفت تتأمل الأرض الخراب من حولها ، لا بد أن هذه أرض المعركة إذن ، ولفت انتباهها خيط من الدم المتخثر الممتد في هذه الأرض ، هل يعقل أن يكون دم الحبيب ؟؟؟
بعد أن تتبعته شهرا كاملا كان تفكر خلاله كيف أن عمر قد مشى كل هذه المسافة وهو ينزف فقط من أجلها ، وصلت إلى نهاية هذا الخيط وكان الظلام عندها في أشده ، كما كان التعب قد أخذ منها كل مأخذ لكنها لم تتوقف يحذوها أملها للقاء شيء من بقايا حبيبها الغالي ، أو حتى لقاءه هو نفسه .. رفعت رأسها لتتضرع إلى ربها فشدها شيء في السماء شديد السواد ، فكرت أنه ربما يكون ثقب الأوزون ، ولكن ثقب الأوزون لم يكن مربع الشكل قط ؟؟ في الحقيقة قد لا يكون في السماء أيضا فالظلام حالك وهي لا تستطيع تميز مكانه بالضبط …
دققت النظر فعرفت أنه مغارة في أعالي الجبال ،وتذكرت كلام عمر بأن هديته لم تجدها إلا في الأعلى فانطلقت بعزيمة فاقت كل تصور لتتسلق الجبال ، وصلت عندليب إلى المغارة بعد تسلق الجبل العظيم وقد خارت قواها كلها حتى لم تعد قادرة على الوقوف ، حاولت أن تتماسك مصبرة نفسها بأنها قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الهدية ، إلا أن قواها قد خانتها هذه المرة فانهارت أمام باب المغارة ودخلت في سبات عميق …
أيقضها صوت تعرفه جيدا ، صوت حنون أخذ يناديها :
عندليب ، استيقظي يا حبيبتي ..
عمر ، قامت فزعة ، انه أمامها عمر بشحمه ولحمه ، لم تسعها الفرحة فاحتضنته ودموعها تغرق عينيها المرهقتين
- أين كنت يا عزيزي لقد افتقدت
- هوني عليك يا عزيزتي أنا هنا معك
وانزاح قليلا ليفسح لها مجال الرؤية ثم قال :
انظري
كان هناك بستان خلاب وفي وسطه قصر لم ترى في جماله قط فأخذت تنظر إليه في ذهول وتذكرت حينها أن عمر قد مات كما وتذكرت أنها كانت في وسط مغارة في أعالي الجبال فماذا حصل ؟
طردت الفكرة من عقلها فيكفي أن عمر بجانبها ولا تريد أي إجابة عن تساؤلاتها ، نظرت إليه ثم أشارت إلى القصر وسألته :هل هذه هي هديتك لي؟
هز رأسه نافيا ثم قال : بل هذه هدية الله لي ولك يا حوريتي الغالية ، سنسكنه معا في يوم ما .
- يوم ما ؟ أتعني أني لن أدخله اليوم !
- سنسكنه عندما نلتقي من جديد
- اغرورقت عيناها بالدموع وهي تسأله : ستتركني من جديد ، سترحل يا عمر؟ سترحل بعد أن وجدتك وقد كنت أضنك ميتا ؟؟
- ابتسم ثم مد يده ليمسح الدموع عن عينيها وهو يتلو قول الله تعالى : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحون بما ……
وبدأ صوته يختفي شيئا فشيئا ثم اختفى هو ثم البستان فالقصر وبقيت هي لوحدها فنظرت حولها لتجد نفسها في المغارة ولاشيء فيها سوى صندوق قديم بني اللون …
لا بد أنها الهدية _ فتحته وتأملت ما فيه ثم اتسعت ابتسامتها الممزوجة بدموع عينيها واحتضنت عقد اللؤلؤ والكلمات التي كتبت بخط يد عمر (( ولسوف يعطيك ربك فترضى )) وأخذت تردد : رضيت يا ربي رضيت ، صدقت وعدك يا رب وأعطيتني حتى رضيت …
حملت هديتها وعادت إلى مدينة الفردوس _ مدينتها ومدينة زوجها _لتحكمها منتظرة لقاء بينهما قريب في الفردوس الأعلى بإذن الله .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | السمات:قصة قصيرة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 9th, 2006 at 9 سبتمبر 2006 10:01 ص
ما بدي اعلق على الموضوع بدي اعلق عليكي انت بما نه مقالاتك رائعة وحلوة وهاد هو الصح وانا ما بجامل ليش ما تعملي مؤلفات صغيرة وتنشيريها سهلة وما بتكلف بس بدها شوية مخ واتوقع انه اللي شوي موجودات عندك يلا فكري حرام كتاباتك تنتسى بسهولة.