القناع 3

كتبهاروان العامر ، في 6 نيسان 2008 الساعة: 08:15 ص

كانت تلك الليلة طويلة جدا ، ورغم أن غرفتها واسعة وتطل على منظر خلاب إلا أن ماير كانت تشعر بالاختناق ، وبكت حتى بللت خداها المتوردان .

الصبي الذي كان بجانبها أحس بحزنها ولدى رؤيته دموعها سألها :

-         هل أنت بخير ؟

-         ماذا ترى أنت ؟

-         في الحقيقة ، أرى أننا محظوظون جدا … نعيش كالملوك  ونتلقى أفضل تعليم وكل ما نريد موجود هنا ، هذه هي الجنة بعينها .

-         الجنة التي منع فيها كل شيء ، جنة بلا هوية !هذه جحيم .

-         دعك من هذا يبدو أن الحوار معك عقيم … ما رأيك أن تعرفيني بنفسك

-         أنا ماير …

-         لم أسألك ما اسمك فأنت تعلمين أن الأسماء ممنوعة هنا

-         وأنت ما اسمك ؟

-         آه ، وكأننا نغني في الطاحون ، لا أسماء ألا تفهمين !

-         بالناسبة أنا لا أريد أن أترك أسمي فهو يعجبني كما يعجبني أهلي ووطني وأحلامي .

-         أحلامك ؟

-         بأن أصبح أستاذة تاريخ ، تذكر الجهلة والنائمين أمثالك بماضيهم وتحررهم من حاضرهم و ترسم لهم المستقبل …

-         هراء ، لا يمكن لنا أن نعيش مستقبل هو أفضل من حاضرنا ، ألا ترين ! نحن نعيش أفضل فترة سلام حصلت منذ وجود البشرية .

-            أخبرت أستاذ التاريخ عن حلمي فأخبرني بأني أفضل من يفعل ذلك

-         ولِم يكون ما يقوله صحيحا أصلا ؟

-         سأحقق ولو جزءا يسيرا من حلمي ، لن أتركه

-         ( باستهزاء ) أجل ستفعلين ، لا تنسي أن ترسمي مستقبلي عندها ، سأكون بانتظارك ، أما الآن فأفضل أن أنام ، تصبحين على خير…

-         سأفعل ، أعدك أني سأفعل …

في طرف آخر من القصر الكبير جلس آرثر وبجانبه رجل آخر ينظر إلى شاشة التلفاز أمامه قائلا :

- ستتعبنا في ترويضها

ضحك الرجل الآخر بينما تابع آرثر وهو يقترب أكثر من الشاشة :

- ولكنك ستكونين من أفضل رجالي بعد أربع سنين

وبسخرية أعقب :

- يا عزيزتي

******************************

في صباح اليوم التالي وفي تمام الساعة السادسة صباحا استيقظ الأطفال على أصوات رجال آرثر يحثوهم على القيام وتجهيز أنفسهم للفطور …. كان ذلك  إفطار جعل الجميع لدى رأيته يتضورون جوعا ويسيل لعابهم نهما وشوقا لتذوقه …

انبرى الشاب على ماير وهمس في أذنها : ألم أقل لك أنها الجنة ؟

أجابته بضجر : استمتع بجنتك إذا .

وتركته باحثة عن أخيها الذي سرعان ما رأته فأسرعت متجهة نحوه وجلست بجانبه لتتناول إفطارها معه ، أخبرته خلالها عن ليلها الطويل وأخبرها هو بدوره عن الفاتنة التي تزامله في الغرفة …

انتهى وقت الإفطار بسرعة وقادهم الرجال إلى غرفة الاستقبال وهناك كان آثر ينتظرهم ليلقي عليهم خطابه بسرعة وبلا مقدمات :

مبارك لكم جميعا ، فاليوم ستخضعون لعمليات التجميل لتصبحوا تحف فنية وسيكون أول أسبوع ترفيهي إلى أن تستطيعون رؤية وجوهكم الجديدة

وبعدها تبدءون بتنفيذ البرنامج الذي سيوزع عليكم الآن وخلفة سيكتب رقمكم الذي لن تُدعون بعد الآن إلا به … حيث أعطي أرقام زوجية للذكور وأخرى فردية للإناث .

أنا سأغادر الآن ولن تروني كثيرا بعد اليوم …

مضى نحو المدخل وقبل أن يغادر اقترب من ماير التي كانت تعقد حاجبيها غضبا وأعطاها جدولها ثم قبلها بهدوء وهو يقول : استمتعي بجنتك يا عزيزتي ، فلن تحققي أي أحلام دونها ….

ثم أعقب بصرامة : أعدك ..

بقيت صامتة ، وراقبته باشمئزاز وهو ينصرف من أمامها ، ثم قلبت الورقة التي بين يديها لترى الرقم الذي كتب عليها … ولم يفاجئها أبدا أن يكون رقمها هو :

واحد

*************************

 

عندما نظرت ماير إلى وجهها الجديد لأول مرة أحست بحرقة في قلبها الصغير ، فعلى الرغم من أن المرآة كانت قد عكست لها لوحة فنية متقنة الصنع إلا أنها كانت تفضل وجهها السابق الذي اعتبرته جزء من شخصيتها التي يبدو أنهم يحاولون نفيها إلى غياهب النسيان … كانت عيناها السوداء تبدو أكبر الآن ، رموشعا التفت بطريقة مدهشه ، شعرها الطويل الأسود بدى أكثر نعومة ، بياض بشرتها أصبح أشد وأجمل من ذي قبل خالطته حمرة وجنتيها لتزيدانها جمالا على جمال ، وحتى قسمات جسمها بدت اجمل ، أجل كانت كأجمل أنثى رأتها تيجان في حياتها تلك التي ظهرت لها في المرآة ، ولكن وجهها الأول كان يشبهها أكثر .

وبالتأكيد لم تكن وحدها من افتقدت لوجهها ، فقط استمر طفل لم يبلغ الحادية عشر بالبكاء طيلة ذلك اليوم ، ولم يكف عن النداء : أريد ماما …

مرت الأيام بعدها طويلة قاسية مملة ، شعرت فيها تيجان بغربة قاتلة ، إحساس لم يخفف منه سوى وجود أصدقاء أحبتهم بالإضافة إلى  أخيها 44 الذي لم يكن يشعر بتلك الغربة، فإن كان لا يحب المكان فهو على الأقل يحب من فيه …

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رواية القناع | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “القناع 3”

  1. مستني على نار الكمل الاجزاء خيالك واسع جدا يا ريتني متلك ما شاء الله

  2. رائع جدا

    اكملي يا روان ولا تطيلي علينا



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر