القناع 7

كتبهاروان العامر ، في 17 نيسان 2008 الساعة: 10:33 ص

عندما استيقظت من نومها أخذت تجوب المدينة التي لا تعرف منها شيئا ، هائمة على وجهها ، لا تعرف أين تذهب ، وآلام يدها تزداد مع كل لحظة ، كان جل ما تتمناه وقتها ، قضمة خبز تسد بها رمقها ، وثوب دافي يغطي جسدها المبتل ، لم تكن تعرف ما يجدر بها حقا فعله  … أن تهرب من ذاك المنزل دون خطة، معتمدة فقط على التهور والجنون كاد ان يودي بحياتها ولكن المشكلة الآن أنهما يجلدانها على جدار من العجز لا تملك أمامه أي سلاح يساعدها ، أجل لم تكن تملك أي شيء ليخرجها مما هي فيه ، ورغم انها ندمت للحظة على هروبها المتسرع ، إلا انها قررت بالنهاية ان الموت هنا أفضل بكثير من العيش في (جنة آرثر).

كان أول ما فعلته في ذلك اليوم ان جبرت كسر يدها ببضع أخشاب ملقاة في متنزه قريب بالطريقة التي تعلمتها في (منزل الاوغاد) حاولت بعدها أن تجد طعام على أحد الأشجار ، ولما كانت الأشجار حرجية فإنها لم تجد شيئا وبقيت جائعة ومنهكة إلى أن حل المساء حيث ألقت بنفسها تحت أحد المقاعد كيفما اتفق ، وحاولت النوم ، ولكن ألم يدها وشدة البرد والجوع منعتها من النوم جيدا …

كانت الجوهادئا جدا ، وبينما هي تفكر في هذا الهدوء ، إذ جلس رجلان على المقعد فوقها تماما ، وأخذا يتحدثان بصوت منخفض ، حديثا سمعت معظمه ، حيث قال أحدهما بصوت رجولي متزن ، كأنه قادم من عمق بحر ما :

-         بالتأكيد أنا هنا لتنفيذ المهمة ، سأنفذها وأعود .

-         وأنا هنا لأعطيك التعليمات ، خذ هذه وأسرع فالزعماء يقظون جدا هذه الأيام .

-         لا تخف ، فالعائدون أشد يقظة ، وانا على قدر المسؤولية التي اوكلت إلي .

-         أعتقد أن مهمتي انتهت هنا إذا ، سأذهب الآن .

-         فليكن الله معك .

أحست ماير بالايثارة ن فها هي لأول مرة وجها لوجه مع رجل مسلم ، ومن العائدون أيضا ، بالاضافة إلى صوته البحري الهادئ .

أدركت ماير انها في هذه اللحظة لا تملك شيئا لتخسره ، وقررت ألا تترك هذا الرجل يمضي من هنا بدونها ، لذا وما ان هم هو بالوقوف حتى قفزت امامه قائلة :

-         سيدي .

نظرت إليه فرأت شابا وسيما ، قمحي البشرة ، عسلي العينين ، مفتول العضلات ،بني الشعر … كانت تتأمله كأنها ستكتشف من خلال قسامته حقيقة العائدون ، أماهو فقط كان مذهولا بتلك الشابة الفاتنة البارعة الجمال ، التي خرجت مثل جنية من هذه الحديقة المعتمة ، صمتا طويلا قبل أن يتنبه الشاب إلى أنها نادته فقال :

-         ماذا تريدين ؟

تذكرت انها نادت عليه في البداية ، وكالعادة لم تكن قد هيئة نفسها للخطوة التالية ، مما جعلها تتلبك قليلا قبل أن تقول :

-         سيدي إني أبحث عن مأوى ، هل تساعدني ؟

-         متسولة ؟!!

-         لا، أنا …

-         لم لا تبحثين عن عمل ؟

-         هل لديك عمل لي ؟

-         إني لست من سكان هذه المدينة ، ولا املك الوقت الآن

-         إن لم تساعدني قد أموت جوعا ..

-         حسنا، حسنا ، لليلة واحدة فقط

-         رائع لا أحتاج أكثر

-         شرط أن تعديني أن تبحثي عن عمل بعدها .

-         سأفعل

-         اتبعيني .

مشى بثقة دون أن يتلفت إليها ،كانت تمشي خلفة وهي تفكر في هذا الرجل البحري الصوت والقسمات ، إنه يشبهها كثيرا ، يشبه اسمها ، فماير تعني البحر … مشت خلفه ، رجل بحري وامرأة تحمل أسم البحر، رائع هذا اللقاء ، ورائعة هي تدابير القدربتجميع المتشابهات مثلما تجمع قطع لعبة التركيب .

مضى هو بها حتى وصل فندقا قريب من فنادق(الخمس نجوم)  ، أدخلها غرفته وطلب لها وجبة طعام ، ثم مضى إلى مكان لا تعرفه ولم يعد حتى الصباح ، حيث أعطاها بعض المال قائلا:

-         اعيلي نفسك به ، أنا مضطر للسفر اليوم .

ليس بهذه السهولة بكل تأكيد ، فهي أقسمت ألا تدعه يذهب إلى أي مكان في الكون إلا وهي معه ، بادرته قائله :

-         سيدي خذني معك .

-         لا أستطيع .

-         سأموت ، إذا تركتني هنا سأموت ، أنا لست متسولة ، أنا … لقد هربت من عائلتي ، أبي رجل غني جدا ، وهو يريد قتلي ، إنه مدمن ، لطالما عاملني بقسوة وضربني و… سيفعل أي شيء ليجدني ولن يهدأ حتى أموت ، أرجوك …

كانت تمثل هذا المشهد بتأثر ، حتى دمعت عيناها، وكادت هي نفسها أن تصدق ما تقول ..

-         استطيع أن اوصلك لأقرب مركز للشرطة .

اللعنة هذا الرجل مصر على تركها هنا ، وهي مصرة على المضي معه ، أيهما أشد عندا يا ترى ؟؟

تذكرت كلماته في المنتزه :

-         العائدون أشد يقظة ، وأنا على قدر المسؤولية .

لن ياخذها إذا ، إنه حذر جدا ، هكذا يجب أن يكون … خاطبته بصوت خافت :

-         حسنا إذا ، أشكرك .

لم يلتفت لها كثيرا تابع عمله وكأنها كانت سحابة صيف ومضت …أما هي فاتجهت إلى حيث سيارته الحديثة ورمت بنفسها في صندوقها ، بانتظار إما الموت خنقا أو حياة جديدة ملأى بالمفاجآت مع ذلك الرجل .

********************************

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رواية القناع | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر