القناع 8

كتبهاروان العامر ، في 18 نيسان 2008 الساعة: 13:07 م

بعد ست ساعات من القيادة في طرق متعرجة وعسيرة ، توقف الرجل ليرتاح قليلا ، ولكنه سمع صوتا في مؤخرة سيارته أفزعه ، ففتح الصندوق ليرى من هناك ، وبيده الأخرى حمل مسدسه بحذر ، ليجد الفتاة المتطفلة إياها في صندوقه …

ما إن رآها حتى صرخ بغضب :

-         ماذ تفعلين هنا ؟

-         أنا ،أنا … ( أجهشت بالبكاء وهي تكمل ) انا فقط لا أريد أن أموت ، خذني معك أرجوك

-         اللعنة ، كيف سأعيدك الآن ، سيفشل كل ما فعلته .

-         لا تعدني ، خذني معك وأعدك أن أكون طوع بنانك

-         ماذا ستفعلين عندي ؟

-         أخدمك ، أفعل كل ما تريد ، أي شيء بلا استثناء .

-         بملابسك هذه ؟

تذكرت أن ملابسها لا تناسب المعتقدات الاسلامية فأجابته:

-         بأي ملابس تريد

-         ادخلي السارة إذا

ربما لم تكن كنزتها التي لا تغطي يداها وجزء كبير من نحرها وظهرها ، وبنطالها الضيق القصير ، ربما لم تكن فاتنة جدا ولا فاضحة بالنسبة لكثير من الناس ، لكنها هي كانت تراها كذلك ، والأهم من ذلك ، كان ( هو ) يراها كذلك أيضا … وعلى كل فقط كانت فرحة لأنها ستلبس لباس المرأة المسلمة ، على الأقل تجربة جديدة يغريها الفضول بتجربتها …

عندما وصلا إلى المدينة الأخرى والتي لا تعرف بالتأكيد ما هي ، ذهب ذلك الرجل إلى احد الأسواق وعاد حاملا قميصا أنوثيا طويل الأكمام ، أعطاها إياه قائلا :

-         البسيه .

تاركا إياها في خيبةأمل عضيمة ، إذ انها لم تختبر تلك التجربة الجديدة …

خلال الطريق سألته :

-         هل أنت مسلم ؟

-         أجل .

-         ولماذا لم تعطني ملابس المرأة المسلة ؟

-         عندنا قاعدة تقول لا إكراه في الدين .

ما عدا ذلك لم يتكلم هو بتاتا حتى وصل إلى شقته في الطابق الأرضي حيث تركها وذهب إلى حيث لا تدري ، تاركا إياها في بحر أفكارها ، حيث كانت تفكر بجمال الحرية ، ومدى روعة قاعدة لا إكراه في الدين ، كانت تريد أن ترد الجميل لهذا الرجل ، فنظفت شقته وحضرت وجبة طعام مما وجدته في الثلاجة ، ثم فتحت التلفاز في انتظاره وأخذت تشاهد الأخبار وتستمتع .

و في مكان آخر من المدينة ذاتها كان بدر يشاهد ذات الاخبار تلك ، وفي عينيه خوف لا أحد يعرف مصدره ، فقد كان ينظر الى العالم دون ان يرى فيه ذرة سلام كما يدعي معظم ساكنوه …

********************

في الجهة الأخرى من العالم كان 100 و23 يبثان احزانهما لجدران القصر ، قال 100:

-         لا بد أنها ماتت .

-         كنت اريد أن أسألها عن اسمه .

-         ولماذا ؟ أقصد لم لم تسأليه قبل أن يموت ؟

-         ربما لأني أدركت ساعة موته أن رجلا مثله لا يمكن أن يكون محض رقم مهمش ، لا بد له من أسم يليق به ، كما لها ..

-         ماير … معك حق انه يشبهها كثيرا

-         والآن فقدناهما معا.

-         أدري أنك حزينة ، وأنا أيضا ، ولعل الشيء الوحيد الذي يواسيني والذي أتمنى أن يواسيك ، هو أن نتذكر أن بعض الطيور لا يمكن لها ان تعيش بأقفاص .

في الطرف الآخر من القصر ، لم تكن قسمات رجال آرثر مريحة جدا ، ولكن آرثر طمأنهم قائلا :

-         محض غيمة صيف ، قليل من الغضب وسيهدأ ، فكما بعض الطيور لا يمكن أن تعيش في أقفاص ، هناك بعض الطيور لا يمكنها العيش إلا داخل الأقفاص ، أنت تنظر إلى 97 شخص منهم .

*****************

كانت حياة ماير في ذلك البيت الصغير أشبه بالجنة حقا ، كان ذلك الرجل البحري يزيدها اعجابا به يوما بعد يوم ، حتى أحبته أكثر من كل شيء ، وبدأت بوصفه ب( الرجل الخالي من العيوب ) أو ( الملاك البحري ) ، وفي اليوم الثالث لوجودها في منزله سالته بحياء كمن يرتكب جرما :

-         ما اسمك ؟

-         جواد

-         جواد ! ماذا يعني ؟

-         كثير الكرم

-         مثل البحر

-         البحر؟؟ البحر كريم وغادر أيضا .

ولكنك لست كذلك ، خاطبت نفسها ، ثم تابعت :

-         أنا اسمي ماير ويعني البحر .

-         ( ضحك ) علي أن أخاف منك إذا

لماذا يعاملها هذا الرجل كنكرة ، إنه بالكاد يراها في منزله ، لماذا عليها أن تبدأ هي أي حديث يدور بينها وبينه ؟؟

مضت الأيام سريعة في هذا المنزل ، كانت ماير خلالها تزداد اعجابا بملاكها البحري وتراه اجمل وأروع يوما بعد يوما ، حتى أحبها هو الآخر وخضع قلبه لإمرأة ، فسألها ذات يوم من أيام ربيع 2103 _ وكان ذلك أول حوار يبدأه هو معها _

-         ما دينك ؟

-         لم ؟

-         محض سؤال .

ما دينها ؟؟ سؤال محير حقا ، أهذا هو أول ما يريد معرفتها عنها ، ولكن ماذا عن قاعدة لا اكراه في الدين؟؟ … لاحظ هو صمتها وتلبكها المفاجئ فبادرها القول :

-         أقصد هل أنت من ديانة سماوية ؟

عندما نطق كلمته تلك كاد أن يخشى عليها ، هي تعرف الدين الأسلامي جيدا فقط قرأت عنه ما يكفي ، أيعقل أنه يريد حقا ما تعتقد ؟؟

-         أنا مسيحية ( اجابته )

-         رائع

-         لماذا تسأل ؟

-         هل تتزوجيني ؟

اللعنة لقد كان ما اعتقدته صحيحا إذا ، يسأل عن دينها لأنه يريد الزواج منها ، خيرا ما فعلت بإخباره أنها مسيحية إذا . كانت تنظر إليه بدهشة وتفاجؤ شديدين ،بينما تابع هو قائلا :

-         خذي وقت ، معك أسبوع كامل وبعدها قرري .

ما قصة هؤلاء الرجال  مع فترة أسبوع للتفكير ؟ أنا يلزمني يوم واحد فقط ، بل دقيقة ، بل حتى ثانية لأفكر بالسؤال الذي طرحوه علي ولكن المشكلة تكمن في كيفية نطق هذه الإجابة ، في كيفية قول : لا لآرثر ، ونعم لجواد … وقد نطقت لا بخطتها الجنونية للهرب ، ولكن كيف تنطق نعم يا ترى ؟؟

مر الأسبوع بصعوبة بالغة ، ربما كان أصعب حتى من اسبوع آرثر ، وفي الافطار قال لها :

-         ما رأيك ؟

-         بماذا ؟

-         بعرض الاسبوع الفائت

-        

-         أنا لا أستطيع الاستمرار بالعيش معك في منزل واحد لوحدنا دون زواج

-        

-         إذا أردت نكتب كتابنا أولا ونمضي الوقت الذي تشائين دون زواج رسمي ، ثم بعدها أعدك بأجمل حفل زفاف ، ماذا قلت ؟

-         كما تريد

-         كما أريد ؟؟ ما شأنك بي ، ماذا تريدين انت ؟

-         كما تريد ، أريد كما تريد

-         نكتب الكتاب الآن إذا .

-         كما تريد .

لم يمض آخر النهار حتى كان كلاهما قد وضعا خاتم الخطوبة وكتبا كتابهما ، وانقلب البحر بعدها فجأة من الهدوء الشديد الى الرومنسية الشديدة ، مما جعلها تحبه أكثر .

في ذلك اليوم صحبها معه إلى البحر المجاور لمنزله وجلسا معا البحار الثلاث ، حيث أخذت تداعب نسمات الهواء خصلات شعرها ، ويداعب هو وجهها برقة لم تعهدها منه من قبل ..

سألته بجنون كجنون البحر ، ربما لأنها الآن يحق لها السؤال ، قالت له :

-         اتحبني ؟

-         جدا

نظرت اليه كمن سمع خبرا مفاجئا توا ، أخذت تتأمل في عينيه ، هل حقا ما قال ؟ كانت عيناه تشعان بريقا غريبا ، تركت المجال لعيناها أن تتأملها طويلا ، فهو من حقها الآن …

-         أتعجبك عيناي ؟

-         جدا

وضحكا معا ، ضحكا طويلا وأشهدا البحر ذلك المساء على حبهما الأبدي …

***************

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رواية القناع | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “القناع 8”

  1. جميل جدا وكأنني أرى المشهد أمامي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر