القناع 13
كتبهاروان العامر ، في 30 نيسان 2008 الساعة: 08:48 ص
بعد أن غادر 100 أحست ماير بقلق شديد وجافها الرقاد ، فكلام 100 لم يكن مطمئنا فيما يخص جواد… بالنهاية قررت أن تزور جواد في منزله فتطمأن عليه وتطمئنه عليها ، وبالفعل أسرعت إلى منزله ، وعندما وصلت وقررت أن تقرع الباب سمعت صوته قادما ، فأسرعت للاختباء ، وكم كانت دهشتها عظيمة عندما رأته يخرج من بيته سالما معافى لم يصبه أي سوء …
وقد لحقت به امرأة جميلة ، تلبس ملابس المسلمين ، لم ترها ماير قبل ذلك ،مما جعلها ترجع إلى كهفها محطمة الفؤاد ، وقد ذرفت دموعا غالية على حبيب أغلى . ورغم أنها عرفت قبل الآن أن جواد متزوج بغيرها إلا أنها لم تتوقع أن تراهما معا ، وقد كان ذلك جد محطم لها .
في صباح اليوم التالي زارتها 23 وجلست كلتاهما بصمت وقت طويل ، إلى أن كسرت 23 الصمت بقولها :
- أنا آسفة واحد ، أعرف أن الخبر قد صدمك .
- أوعرفت ؟
- في الحقية لقد عرفت قبلك .
- لا بأس سأتخطى هذا بالتأكيد .
- لن تقتليه ، أليس كذلك ؟
- أقتله ؟ لا ليس إلى هذا الحد ، إني فقط … لن أتزوجه .
- لكنك قلت أن الخائن سيكون أول شخص تقتليه !
- كنت أقصد الخائن الذي ينقل المعلومات لآرثر .
- والذي هو جواد .
- أتقصدين أن جواد هو الخائن ؟!!
- ألم تعرفي بعد ؟
اخترقت تلك الكلمات مسامعها حتى كادت لتصيها بالصمم ، وللحظة توقفت فعلا عن سماع كل شيء،لم تجب ولم تتحرك ، بل حتى لم تبك أو تضحك أو تفعل أي شيء ،شيئا ما منعها من الكلام ، من الصراخ بل حتى من البكاء ، سحابة الهم والغم التي أحاطت بها تلك الساعة منعتها حتى من التنفس أو الرؤية ، ورغم أنها لم تقوى عن التفكير إلا أنها شعرت بدقات قلبها تتوقف أيضا … ذلك القلب الذي طالما نبض لأجله ، وحارب لأجله ، ذلك القلب توقف اليوم لأجله أيضا … توقف قلبها وكل شيء ، توقفت الأرض عن الدوران ، توقفت المشاعر والأحاسيس ، الحزن والفرح ، وتوقفت حتى حياتها… تلاشت الأشياء من حولها واجتاحتها وحدة مروعة ، كانت تشعر أنها تعبر تلك الحدود إلى نهاية الكون ، ربما هذا ما يدعونه العائدون بالعودة … أجل لقد بدأت تموت ، كانت تلك شعرة تفصلها عن الموت لولا أن اهتز جسدها فجأة وعاد الهواء ليخترق رئتها فأخذت تستنشقه مسرعة مخافة أن يهرب منها ، وتسارعت أنفاسها وهي تجوب ببصرها – الذي بدأ يعود إليها – أرجاء المكان وتنظر إلى تلك المغارة الباردة والموحشة والخالية من أي شيء إلا من وجه 23 التي كانت تنظر إليها وتبتسم بارتياح بينما تعلق بعينيها الخائفتين دمعتان وهي تقول :
- ظننتك قد مت ، ألم تكوني تعرفين ؟
أجل لقد ماتت ، واختفت في سحابة الأحزان لقرون عديدة ، ولكنها عادت للحياة ، وما زالت تبحث عن هواء في هذه المغارة الخانقة ، اندفعت مسرعة نحو باب المغارة لتستنشق الهواء النقي وتتأمل البدر المتربع في قلب السماء … وفي تلك السماء المتلبدة بالغيوم ، ومن خلال فيض الدموع التي سمحت لها أخيرا بالهطول ، رأت أخاها يبتسم لها ، ثم تلاشت صورته ليحل محلها صورة جواد بعينيه الحادتين مما زاد في بكائها ، لكن الصورة سرعان ما تلاشت هي الأخرى ولم يبق في صفحة السماء سوى الغيوم المثقلة بالمطر ووجه البدر الذي يحاول أن يظهر من بينها مرسلا شعاعا منه لها ليمسح شيئا من حزنا … تذكرت في تلك اللحظة بالذات أن بدر كان قد سمي على اسم ذلك الشيء المنير في وسط السماء ، وتذكرت كم عانى ليحمي السر ففكرت أن أبا جواد كان محقا بأن لا يسلم ابنه السر ، فهو إما رجل يحب ابنه جدا ، أو يعرفه جيدا …
وتوقفت أفكارها عند هذا الحد ، وحال منها نظرة إلى بركة ماء كان قد صنعها المطر فرأت وججها ، ولسبب لا تعرفه انهارت بالبكاء ولا تعرف ما حصل بعدها ، ولكن الأشياء عادت لتتوقف من جديد ، وعادت لعالم هو بين الموت والحياة إلى أجل غير مسمى …
مر اسبوع بعد ذلك ، لم تأكل خلاله أو تشرب ، بل استمرت بالبكاء والنحيب ولم تكلم أحدا … كانت تفكر بمدى امكانية ذلك ، لقد فكرت بكل شيء إلا أن يكون جواد خائن ، وتذكرت ما قاله 100 عن كون الخائن شخص لا يمكن توقعه ، ولكن ليس إلى هذا الحد ، ليس جواد !! لقد أحبته حين لم تحب في الكون رجلا غيره ، لقد أخلصت له وخانها ، خان وطنه وأبيه وزوجته ، وحتى نفسه … إن الخيانة هي أكبر جرم قد يرتكبه الانسان يوما وعلى جواد أن يدفع الثمن ، وعليها هي أن تستجمع قواها لقتل أول رجل في حياتها .
بعد اسبوع من البكاء ، انطلقت بحطام جسدها ، وبقلب لم يبق له في الحياة إلا بضعة أحلام ووعدان لم يتحققوا بعد ، انطلقت إلى 100 … بوجه شاحب ، وعينان أدمتهما الدموع وكثرة السهر حتى غارتا في صفحة وجهها ، ووجه هو أشبه بوجه شبح منه إلى وجه انسان ، تابعت طريقها إلى 100 وهي تستعرض في مخيلتها صور من حياتها ، صور من حياة ماير وواحد ، وربما حتى نتاشا … تذكرت صفها الدراسي وزميلاتها ، وترآئت لها صورة أستاذ التاريخ وهو يقول : ( سيكون ذلك مستقبل عظيم يا ماير ) … وتلاشت صورته لتحل محلها صورة أمها وأبيها ، وأخوتها وأخواتها يجلسون على مائدة الطعام ، وصوت أمها تقول ( يعجبني فيك أنك لا تخلفين وعودك يا صغيرتي ..) … وتلت تلك الصورة صورة 100 وهو جالس بجانبها في السيارة وهي تقول : ( سيكون هذا الخائن هو أول شخص أقتله بيدي ) … وأخيرا تذكرت آرثر يقول لها : ( أنا لا أريد قتلك يا عزيزتي ) وتذكرت قولها ( أنا أريد … أعدك بذلك ) .
تبسمت بعد ذلك ، ورسمت على وجهها بسمة تحدي وهي تمسح دموعها في الطريق إلى 100 .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رواية القناع | السمات:رواية القناع
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 30th, 2008 at 30 أبريل 2008 10:41 ص
شكرا روان على الزيارة والتعليق
سأعود لمدونتك على مهل لأراك جيدا