أشلاء
كان الوقت قبيل الفجر بقليل ، كعادتي كنمت مستيقظة وما إن رن الهاتف حتى شعرت بقلبي يقفز من مكانه وقمت إليه مسرعة ، بيدين مرتجفتين ارهقهما طول الأنتظار أمست السماعة وبصوت هو أقرب إلى الهمس نطقت كلمتي :
ألو
صوته جاء بقوة وبشيء من الحنان ‘ جاء كعادته بآلاف المعاني التي لا يفهمها أحد سواي ، وعبر الأسلاك سمعت تلك الكلمة التي طالما هزت كياني :
أمي …
مرت لحظات صمت كنت خلالها استشعر وقع الكلمة على قلبي ، شعرت بقلبه ينبض بعنف ، شعرت به كأنه ما يزال ينبض في أحشائي ، وكأنه ما زال طفلا في رحمي ، أداعبه كل يوم وأناجيه وأخاف عليه حتى من نسمات الصيف العليل …
- قتلني الشوق يا أماه
قاطعتني كلماته بشيء من ( القتل ) العفوي ، أنا ايضا قتلني الشوق ، وكلماته تلك جاءت لتقتلني أكثر ، للحظة وددت لو أقول له هذا ولكن … كان علي أن أختار كلماتي بدقة وأنا أكلمه :
- الحور مشتاقة أكثر يا بني
- وأنت ؟
وأنت ! ياه اما زلت اكبر همك يا مهجة الفؤاد … أما زلت ( أنا ) أعني لك شيء؟؟ تسللت إلى خدي دمعة فمسحتها وتابعت كلامي
- ماذا عني ؟
- من لك ؟
- ومن لفلسطين ؟
اجتاحنا الصمت ثانية
لكم كبرت يا طفلي ، أتذكر كيف كان حضن أمك أول ملجا لك … آآآه لو تدري ما بي من بعدك ، عشر سنين وانا أنتظر أن اصبح أما عشر سنين لم يكن ينقصني أنا وأبيك سو طفل واحد
ليتك تدري كم بكيت لأراك وكم صليت ودعوت الباري ليمن علي بك … لكم تمنيت يا بني أن تبقى في أحشائي حتى لا يحضنك سواي ، لم أكن أريد أن ترحل ولو للحظة بعد عشر سنين انتظار … أبوك فقط قال لي ( ومن لفلسطين ) فقلت لك ذلك وقلبي يتفطر … أيحق لفلسطين ان تحتضنك أكثر مني ؟ أيحق لك أن تسقيها بدمائك وروحي انا عطشى ؟
هذا كلام لم أقله لأحد ولا نطقت به سوى لنفسي ، ورغم ذلك كان أباك دائما يذكرني وكأنه قرأ ما في جوانحي :
انذريه لخالقه ، اتركيه ليعلي كلمه الله ، الله تركه أمانه عندنا ، فليستعد الخالق أمانته متى شاء …
وكنت أجيبه دوما لأبرر شيئا من خوفي على فقدك :
ولكن ابني يخاف ..
أجل ان ابني يخاف ، يخاف من العتمة ومن دوي القنابل ، أتراه خائفا الآن ؟
لقد كنت دائما اطمئنه ،احضنه بين جوانحي ، اداعب خصلات شعره وامسح الدموع عن خده ، ثم أروي له قصة عن الحور العين ، فينام طفلي قرير العين ، ليتني أستطيع الآن … ليتني
صوت ما اخترق الصمت ، صوت دوي القنابل … الصوت الذي اعتدنا سماعه ، لكنه اليوم جاء أقوى جاء مخيفا ، هز كل شبر من جسدي ‘ انتفضت خائفة وصرخت …
- بني هل أنت بخير ؟
- ادعو لي يا امي ، أن اموت قبل أن تمس ايديهم القذرة جسدي
تشنجت كل أعضائي ، ماذا قال فلذة كبدي توا ؟؟ أأدعو على مهجة الفؤاد بالموت !
لقد صدق اذن … لقد صدق تلك الصلابة التي افتعلتها يوم وداعه
لقد صدق اذن البسمة الكاذبة التي رسمتها على شفتي وانا احثه على الشهادة ، لقد صدق ، وتقطع قلبي خلف قناع قد صدقه ابني ورحل .. وا حر قلباه ، اوتقدر ام على فراق ابنها ؟!!
عندماتزوجت والدك يا طفلي وعدني أن نعيش معا في الجنة ، أخبرني عن حب النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لسيدة العالمين عائشة… وقد صدق في وعده
كان يكد في عمله طوال النهار ويعود آخر نهاره وهو حامل بيديه ما تيسر له من طعام … عشر سنين عشناها مع لا ينقصنا فيها سوى أنت ، لا ينقصنا سوى طفل يكمل فرحتا ، وجئت انت ، قطعة مني ومنه تتوج حبنا .
فأحببتك بحبي له ، ربيت بين جوانحي حتى كبرت وكانت الفاجعة بعد خمس عشر عاما من ولادتك …
- هل أنت راضية عني يا أماه
جاء صوته قاطعا سلسلة أفكاري وكأنه أعادني إلى ما أنا فيه من جديد … تذكرت اني أكلمه فعدت إليه وأجبته :
- يرضى عنك ربي كما رضي قلبي يا فلذة كبدي
- الحمد لله
الحمد لله .. هي ذات الكلمة التي نطقتها عندما مات والدك قبل عشر سنين ، توقعت ساعتها انك ستبكي وتنتحب ولكنك وقفت هناك بجوار قبه شامخ الرأس وعلى وجنتك الصغيرة دمعه واحدة ، يومها نظرت إلي مبتسما وقلت مثلجا صدري :
الحمد لله
أتذكر ، كان ذاهبا لعمله كعادته ، رصاصاتهم الطائشة أصابته حتى دون ان يعاديهم ، لم يكنوا ليفرقوا بين محارب ومدني ن وأباك لم يكن يوما في حرب ضدهم … لا أعرف ما الذي حصل ، قيل لي أن آخر ما قاله يومها قبل الشهادتين كان اسمي … لم تكن يومها قد جاوزت الخامسة عشر ن ولا أدري كيف وجدت فيك يوم أن تيتمت كل هذه الرجولة التي أعطت قلبي الدفء والحنان وشيئا من التعويض عن رجل وهب نفسه لابنه ، ووهب ابنه للوطن …
يومها رأيت في عينيك برقا أخذ يزداد يوما بعد يوم وأنار لي دنياي.
ذلك البريق الذي لم يغ عن عيني يوما .. سوى يوم وداعك من سنتان .
يومها دفعتك لما وهبك أبوك له ، وأهديتك بلا أجر لفلسطين … يومها اخفيت أنهار الدموع وبراكين الأشواق خلف قناع الابتسام ، وبقوة كاذبة رأيتك وأنت تغادر أحضاني ومنزلي المهدم إلى أحضان فلسطين ، وإلى أحضان الحور يوما ، كنت اتقطع ، وأنت تمضي بخطواتك الرجولية رأسك الشامخ إلى الموت غير آبه …
سنتان لم أرك فيهما ولم أسمع من أخبارك سوى بضع كلمات قلتها لي بعجالة على الهاتف … هل تعرف أني خلالها كنت كل يوم أغرق وسادتك بدموعي ثم أترك صباح اليوم التالي بالخارج لتجف ، كنت أخشى أن تأتي يوما ويجافيك النوم على وسادة مبللة ، أتصدق أني كنت أحضر لك كل مساء أشهى ما تطيب لك نفسك من طعام ، أخشى إذا عدت مرهقا ألا تجد ما تأكله ، كنت أسخن لك الماء على النار الهادءه لتستحم بعد العمل … كنت أفعل ذلك كل ليلة ولكنك لم تعد ، ولا ألومك ، ولكن قل لي انك ستعود لمنزل مل من طول الانتظار ، قل لي أنك ستراني مرة واحدة ، للحظة واحدة ، فتهدني عناق واحد وكلمة واحدة ، وترحل بعدها ، قل لي فقط اني سأراك قبل أن تراك حواري الجنة … قل لي أنك ستعود .
المزيد